الحارث المحاسبي

201

الرعاية لحقوق الله

ألم تر إلى العباد يتجاوزون بينهم النقد في الورق والذهب ، فيأخذ بعضهم من بعض الدرهم المردود والردىء من النقد في الحضر والأمصار ؟ فإذا أراد أحدهم طريق مكة أو غيرها لم يأخذ من النقد إلا الجيد الصافي لمعرفته أن طريقه يقل فيه العطف من العباد بعضهم على بعض ، والمواساة ؛ لشدة سفرهم وبعد شقتهم ، فيخاف أن يأخذ دراهم رديئة أو دنانير مردودة ، فيبدلها في أداوة من ماء أو قربة من ماء ، أو في زاد أو في كرى يتحمل به فتردّ عليه ، فيقطع به في موضع الحاجة حيث تقل المواساة ويعز التعاطف من الناس بعضهم على بعض وهو في الحضر يتجاوز الرد والمردود ، رجاء إن ردّ عليه ردّه وأبدله ، وإن يردّه وجد عوضا منه من ملك له أو قرض من غيره فكذلك من عقل تخاذل العباد في القيامة وتبرّي بعضهم من بعض ، حتى تودّ الوالدة أنه جعل لها على ولدها حقّ تأخذ به لشدّة حاجتها إلى شئ يثقل به ميزانها وتزيد في حسناتها ، ولتعظيم ما عاينت . فمن عقل شدّة ذلك اليوم وشدّة فقره إلى صافي الحسنات ، خشي أن يأتي يوم القيامة بغدو أو رواح إلى علم أو صلاة أو صيام أو خشوع ، أو حج أو غزو أو كرّ على عدوّ في سبيل اللّه لم يخلصه فيحبط ، فتصير حسناته أنقص من سيئاته ، ولو كان أخلصه في الدنيا لرجحت حسناته على سيئاته فدخل الجنّة بذلك ، فلما حبط عمله بقيت سيئاته أرجح وحسناته أخف وأنقص ؛ فلا تسأل عن تقطع نفسه حسرات ، فيخاف العاقل ذلك ، فيغلب على عقله حذر الرياء والتصنّع للعباد وإرادة اللّه جلّ ثناؤه وحده لا غيره ، حتى يتخلص له علمه وعمله . * * * * *